التاريخ : الأربعاء 26-01-2022

الوزير الشيخ يطلع رئيس ممثلية ألمانيا على آخر التطورات السياسية    |     القاهرة: فلسطين تشارك في ورشة عمل حول "القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة"    |     وزير النقل والمواصلات يبحث مع نظيره الأردني متابعة تنفيذ الاتفاقيات الموقعة    |     سعد: تحويل رواتب العمال في إسرائيل للبنوك الفلسطينية خلال 6 أشهر    |     الرئيس يهنئ نظيره الهندي بذكرى إعلان الجمهورية    |     الرئيس يهنئ الحاكم العام ديفيد هيرلي بذكرى يوم استراليا    |     عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى    |     الأسرى الإداريون يواصلون مقاطعة محاكم الاحتلال لليوم الـ26    |     رئيس الوزراء ينعى القيادي الوطني بدران جابر "أبو غسان"    |     14 عاما على رحيل القائد جورج حبش    |     الاحتلال يعتقل أسيرين محررين ويستجوب آخرين جنوب بيت لحم    |     ليلة تحطيم المركبات    |     في وقفة اسناد للأسير أبو حميد: مطالبة بأوسع مشاركة في المسيرات الإسنادية للأسرى    |     "الخارجية": طائرة مساعدات طبية وغذائية تونسية في طريقها الى فلسطين    |     الاحتلال يخلي منزلا بالقوة في بلدة الطور تمهيدا لهدمه    |     عشرات المستوطنين يقتحمون الأقصى    |     الكيلة: المنحنى الوبائي يتصاعد و6 شباط قد يكون ذروة موجة "كورونا" الحالية    |     الأسرى الإداريون يواصلون مقاطعة محاكم الاحتلال لليوم الـ25    |     الاحتلال يعتقل 20 مواطنا من الضفة بينهم أسرى محررون    |     السلطات الإسرائيلية تهدم العراقيب للمرة 197 وتشرد سكانها    |     الاحتلال يعتقل ثمانية مواطنين من بيت لحم    |     "الأسرى": الأسير أبو حميد في وضع صحي خطير ولا زال في حالة تنويم    |     مجلس الوزراء يعقد جلسته الأسبوعية في طوباس اليوم    |     مصرع مسن واصابة ثلاثة من أسرته في حريق منزلهم بقرية عصيرة القبلية جنوب نابلس
أراء » طفولة ياسر عرفات
طفولة ياسر عرفات

طفولة ياسر عرفات

رام الله 9-11-2015 

خالد جمعة

حين يولد الكائن البشري، يكون مجرد شخص يضاف إلى الملايين التي ولدت قبله، ومع الوقت، يكبر، وربما يصبح شخصيةً ذا شأن، فيبدأ التاريخ بالاهتمام به، ولكن، هل تكون حياة العظماء وهم أطفال، مثل حياة أي طفل عادي؟ أم أن هناك بوادر تظهر سماتها على الشخصية منذ الطفولة؟ وكي ندعم الحقيقة بالسؤال، هل كان ياسر عرفات طفلاً ذات يوم كباقي الأطفال؟.

في الرابع والعشرين من آب عام 1929 ولد الطفل 'محمد عبد الرحمن' عبد الرؤوف عرفات القدوة الحسيني، الذي سيعرف لاحقاً بياسر عرفات، أو بأبي عمار، الذي سيقود منظمة التحرير الفلسطينية لعقود، وسيكون أول رئيس منتخب كذلك، لكن، كيف عاش هذا الطفل، وكيف كان سلوكه في المدرسة وفي الشارع ومع المحيط الذي عاش فيه؟.

والده كان تاجر أقمشة من غزة، وكان عرفات هو الولد السادس لأسرة مكونة من سبعة أفراد، ولد هو وأخوه الأصغر فتحي في القاهرة، وأمه مقدسية هي زهوة أبو السعود، ماتت بسبب قصور كلوي وهو في الرابعة، وكانت هذه أولى الصدمات التي يتلقاها عرفات في حياته وهو في هذه السن المبكرة، إذ وجد نفسه مسؤولاً عن أخيه الصغير فتحي، الذي انتقل معه إلى القدس ليعيش مع خاله سالم أبو السعود لمدة أربعة أعوام، وفي عام 1937 حين كان عرفات في الثامنة، تزوج والده بامرأة ثانية، فأخذه هو وأخته أنعام للعيش في القاهرة.

بسبب تعلمه في القاهرة، اكتسب اللهجة المصرية التي لم تفارقه طوال حياته، وتقول أخته: كان يشارك في كل المظاهرات، وكنت دائماً أجري وراءه لأعيده إلى البيت، وكنت أمنع عنه مصروف الجيب أحياناً، لكنه لم يكن يرتدع ويستمر في نشاطه.

ويروي أخوه فتحي عن نفسه أنه لم يكن يأكل اللحم وهو طفل، وأرادت أنعام من عرفات أن يقنع فتحي بأكل اللحم، فما كان من عرفات إلا أن قال لفتحي: 'الناس في الدنيا نوعين، أسود، وخرفان، والأسود تأكل اللحم، والخرفان تأكل الخضار، أنا شخصياً أريد أن أكون أسداً، أما أنت، فإذا عايز تكون خروف، فخليك من غير ما تأكل لحمة'، وبالطبع اقتنع فتحي بهذا المنطق، رغم أن عرفات كان طفلا لم يتجاوز الثانية عشرة، إلا أن منطق الإقناع الخاص به كان مغروساً فيه منذ الطفولة.

أقام أول جنازة عسكرية في حياته لِقِطِّه 'مشمش' حين مات، وترأس الجنازة بنفسه، بعد أن شارك فيها الجيش الذي كوّنه، وكانت الرتب في هذا الجيش تحددها عدد أغطية 'الكازوز' المعلقة على الكتف مثل النياشين، وكان يقوم بنفسه بعملية الترقية للجنود في هذا الجيش، فالشخصية القيادية إذَن لم تهبط على ياسر عرفات من السماء، بل كانت تميزه منذ طفولته.

عرفات كان ماهراً في كل ما يتعلق بالأعمال التي تتعلق بالصيانة في المنزل، فقد كان يملك صندوقاً للعدة، ويصلح بواسطته 'الحنفيات'، ويقوم بتسليك المجاري وإصلاح أسلاك الكهرباء المعطلة، كان يرتب ملابسه وملابس أخيه فتحي بنفسه، ويعد الإفطار للعائلة في أيام الإجازات، كل مواهبه تلك، كانت تقول إن هذا الولد سيكون له شأن ذات يوم.

ياسر عرفات لم يصبح قائداً من فراغ، بل كان مؤسَّساً ليكون كذلك، تلك الشخصية التي عاشت ظروفاً سيئة في طفولتها، أشبعت نهمها للمعرفة بالقراءة، ونهمها للنضال بالمشاركة في المظاهرات بل وقيادتها في أحيان كثيرة، وظهرت أولى بوادر القيادة الحقيقية عليه حين بدأ بإلقاء الخطابات التي يكتبها بنفسه في المظاهرات التي يشارك فيها.

ربما يكون من الضروري أن نسلط الضوء قليلاً على حياة ياسر عرفات في مرحلة الطفولة، لنكتشف من أين أتت هذه القدرة المذهلة على قيادة شعب تحت الاحتلال، شعب تتداخل مئات المعطيات في قضيته التي تزداد تعقيداً كل يوم، فلا يمكن لرجل أن يصبح ما أصبح عليه أبو عمار إلا إذا كانت لديه الموهبة القيادية منذ الطفولة.

لذلك أصبح عرفات ما صار عليه لاحقاً، فكل شجرة كانت ذات يوم بذرة ونبتة صغيرة، إلا أن بعض هذه الأشجار تموت في منتصف الطريق وتتحول إلى حطب للمواقد، أما تلك الغرسة التي ستطول فروعها السحاب، فهي التي تملك المواصفات التي ستوصلها ذات يوم إلى هناك، وياسر عرفات كان واحداً من تلك الأشجار التي غرست جذورها عميقاً، وما زالت فروعها تتمدد صاعدةً إلى يومنا هذا.
2015-11-10
اطبع ارسل